الخميس، 31 مايو 2018

نار موسى عليه السلام


نار موسى عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم

في هذا الشهر الكريم يستحب قراءة القرآن الكريم والتدبر والتفكر في معانيه والغوص في أعماقه لا مجرد القراءة للبركة والتنافس في عدد الختمات , ومن هنا ننتهز هذه الفرصة لنبحث عن تفسير آية من آيات القرآن الكريم ونتفكر في معانيها ، يقول تعالى في سورة طه ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ) فنلاحظ في قصة موسى عليه السلام بعد ان ذكر اية الله لا اله الا هو له الأسماء الحسنى ذكر قصة موسى عليه السلام وهذا الترابط بين آيات الكتاب الكريم قضية تستحق التمعن والتفكر ونلاحظ أن الآية الكريمة قالت له الأسماء الحسنى ولم تقل انه هو الأسماء الحسنى وهذه لام الملكية كما تقول هذه النقود لي وهذا الفرس لي وهكذا فهو لا اسم ولا رسم كما ذكر في بعض النصوص , هنا نتساءل عندما نقرأ القرآن ما هذه النار التي جعلت موسى عليه السلام يأنس بها ؟ هل هي نار عادية ؟ لو كانت نارا عادية هل تجعل الإنسان يأنس بها  أم أن الأنس يكون من شيء معروف سابقا مجرب ومعروف؟ لو افترضنا جدلا وتنزلا أن هذه النار كأي نار عادية سببت له حالة من الأنس لأن الأحوال الجوية حوله سيئة هل سيقول موسى عليه السلام : أجد على النار هدى ؟ أي هدى ممكن تحصيله من نار عادية ؟ نكمل مع الآية الكريمة قوله تعالى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)نلاحظ عند اقتراب موسى عليه السلام طلب منه خلع نعليه أي أن هناك طقوسا خاصة لتحصيل الفيض والهدى من هذه النار التي سببت له حالة الأنس لعلمه المسبق بفيوضات هذه النار ثم خاطبته هذه النار إني انا ربك فهل المعنى أنها الذات المقدسة ؟ هل يجوز أن نقول أن الذات المقدسة وهي لا اسم ولا رسم تشكلت على هيئة نار وتحدث بصوت أو لسان ؟ أم ان المتحدث والناطق شيء آخر ينطق عن الله وهو لسان الله ؟ ثم قالت النار إنني انا الله لا إله إلا انا وهنا نص واضح جدا وتصريح أن هذه النار هي الله فإن كان الله هو الذات المقدسة فلا مفر من أن نقول أن هذه النار هي الذات المقدسة وقالت لموسى انا الله لكن هل نستطيع أن نقول ذلك ؟ ثم طلبت من موسى أن يعبدها وأن يقيم الصلاة لذكرها ، والقرآن الكريم ركز على هذه القصة العجيبة وبين لمن يريد أن يهتدي ويتعقل ويفكر أن هذه النار ليست نارا عادية وليست هي الذات المقدسة ففي سورة النمل أيضا (ِإذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وهنا أكد لنا حالة الأنس بهذه النار وأن في هذه النار خبر فهل بالإمكان تحصيل خبر من نار عادية ؟ وهل النار العادية يبارك من فيها ومن حولها ؟ وهل تتحدث النار العادية وتقول إنه أنا الله ؟ وفي سورة القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) وهنا بقعة مباركة فالموضوع عندما نربط كل هذه الكلمات ونفكر فيها يتضح و نجد أن هناك عمقا لفهم هذه الأمور ولفهمها علينا أن نأخذ بكلمات تراجم القرآن الكريم لنفهم هذا العمق هل تعرفون ما هذه البقعة المباركة لكي نضع ايدينا على أول الطريق في الخارطة لنصل الى الجهة ؟ تعالوا نفتح تفسير نور الثقلين للعالم الاخباري الشهير الحويزي ففيه روايات آل محمد عليهم السلام فيقول لنا في ج 4: في تهذيب الأحكام أبو القاسم جعفر بن محمد عن محمد بن الحسن ابن علي بن مهزيار عن أبيه عن جده علي بن مهزيار عن الحسين بن سعيد عن علي بن الحكم عن مخرمة بن ربعي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : شاطئ الوادي الأيمن الذي ذكره الله في القرآن هو الفرات ، والبقعة المباركة هي كربلاء , انتهى النص الشريف, اذا القضية لها علاقة بكربلاء والفرات وهذا أول الطريق لنستمر في تجميع خيوط البحث بعد أن وجدنا خيطا لنبحث عن خيط آخر فالآيات السابقة أخبرتنا أن النار تكلمت مع موسى والذات كما هو معروف لا اسم ولا رسم فمن المتحدث هنا ؟ عندما بحثنا في مصادرنا الشريفة ككتاب بصائر الدرجات لابن الصفار وهو من اروع الكتب واجملها وننصح الكل باقتناء هذا الكتاب وقراءته عشرات المرات نجد هذا النص في ص 81: حدثنا أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن محمد بن حمران عن اسود بن سعيد قال كنت عند أبي جعفر عليه السلام فانشأ يقول ابتداء من غير أن يسأل نحن حجة الله ونحن باب الله ونحن لسان الله ونحن وجه الله ونحن عين الله في خلقه ونحن ولاة امر الله في عباده ,انتهى النص الشريف، وفي نص في دلائل الإمامة للطبري الشيعي ص 449 يعبر المعصوم عن إمامنا الصادق عليه السلام أنه لسان الله الصادق وعن قائم آل محمد عليهم السلام أنه الناطق وفي كتاب الفضائل للقمي يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في نص طويل في ص 83 أنا لسان الله الناطق ويقول أيضا : يا حسين انا أمير المؤمنين انا لسان الصادقين , وفي كتاب المحتضر للحلي ص 130في نص طويل يقول أمير المؤمنين عليه السلام لبعض أصحابه : أنا لسان الله الناطق في خلقه , وفي البحار للمجلسي ج 40 ص 64 يقول الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام : يا علي إنك لسان الله الذي ينطق منه , وفي زيارة الإمام الحجة عليه السلام في البحار ج 99 ص 99 تقول : السلام عليك يا لسان الله المعبر عنه , والعديد من النصوص التي تشير الى نفس المعنى وبعد أن توصلنا الى خيط البقعة المباركة وخيط النطق واللسان الذي كلم موسى نتساءل هل من المعقول أن يكون أهل البيت هم الذين كلموا موسى عليه السلام ؟ هل هناك خيوط أخرى بالإمكان ربطها لنعرف الحقيقة بعلمية ؟ تعالوا نبحث عن خيوط أخرى ونربطها مع بعضها البعض : في كتاب مصباح الهداية الى الخلافة والولاية للسيد الخميني ص 77 : قال عليّ عليه السلام : كنت مع الأنبياء سرّا ومع رسول الله جهرا , وفي زبدة التفاسير لفتح الله الكاشاني ج 7 ص 269 : روي عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « يا عليّ كنت مع الأنبياء سرّا ، ومعي جهرا » ووجدت في بعض المصادر ايضا أن هذا النص ذكر في مناقب الخوارزمي وهو من علماء أهل العامة , فهذه المعية مع الأنبياء تؤكد أنهم عليهم السلام مصدر تسديد وتأييد وارشاد ونصرة للأنبياء عليهم السلام لذلك عرفها موسى عليه السلام وأراد أن يقتبس منها الهدى والعلم والنور والأخبار لأنه يعلم أنها ليست نارا عادية لذلك قام بطقوس عندها كما تقوم أنت ايها الموالي بطقوس خاصة عند زيارة سادتك عليهم السلام من الإغتسال والنية والمشي بهدوء وقراءة أذن الزيارة والقيام بآداب الزيارة وخلع النعل كما جاء في نصوص عديدة بمعنى عدم الإنشغال عن غيره عند التوجه اليه واخلاص الحب في القلب له ، هنا نقول ان كانوا هم الناطقين فكيف تقول النار اني أنا ربك فهل الإمام رب ؟ تعالوا نبحث عن خيوط أخرى : ففي نص في مختصر بصائر الدرجات للحلي ص 40 يسأل السائل أمير المؤمنين عليه السلام أن يعلمه عن دابة الأرض فيمتنع الإمام في البداية من البيان ويقول له إله عن هذا إلا أن السائل يصر ويصر فيجيبه الإمام عليه السلام اجابة طويلة يبين له فيها عن دابة الأرض فيقول في محور من محاور هذه الإجابة : هو رب الأرض الذي تسكن الأرض به , فمن دابة الأرض التي وصفت بأنها رب الأرض الذي تسكن به ؟ تعالوا نبحث عن خيط آخر ونربط الخيوط كلها ببعضها لننسج ثوب التدبر والتفكر : ففي كتاب المحتضر للحلي ص 108 نص واضح وصريح يقول فيه الصحابي الجليل جندب بن جنادة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه رب الأرض الذي تسكن اليه , وفي معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام للكوراني ج 5 ص 381 : يقول الإمام الصادق عليه السلام : رب الأرض يعني إمام الأرض ، انتهى النص الشريف، فالأرض ستشرق بنور ربها كما أخبرنا القرآن الكريم ونحن نقول رب الأسرة أي زعيم أو قائد أو متولي أو سيد الأسرة وفي سورة يوسف وصف سيد العبد الذي كان في السجن مع يوسف عليه السلام أنه ربه بقوله يسقي ربه خمرا , وهنا يطرح سؤال أيضا أن النار قالت إني أنا الله فبعد أن عرفنا المكان والناطق و لكن كيف السبيل عند قولها إني أنا الله ؟ نقول هل يمكن أن نقول أنها الذات المقدسة التي هي لا اسم لا رسم و لا صوت لها ولا نعرف كيفيتها وانيتها ؟ بالطبع الجواب لا هذا مع ربط خيوط القضية فالمواضيع التي عالجناها اعتمادا على النصوص نتذكر منها ايضا في بداية المقال الاشارة الى ما جاء في الآية أن الاسماء الحسنى لله وليست هي الله انما له فهل هذه الأسماء عبارة عن حروف مجموعة تكون اسما أم ما هي حقيقة الأسماء ؟هل الله ذات أم كلمة أم انها اسما من الأسماء الحسنى؟ تعالوا نبحث عن خيوط لنربطها مع الخيوط التي قبلها ليكتمل نسج الثوب : في الوافي للفيض الكاشاني ج 1 ص 491 : يقول الإمام الصادق عليه السلام : في قول اللَّه تعالى « وَلِلَّهِ الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها » قال « نحن واللَّه الأسماء الحسنى التي لا يقبل اللَّه من العباد عملا إلا بمعرفتنا » . وفي تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني ج 2 ص617 : المفيد في ( الاختصاص ) : قال الرضا ( عليه السلام ) : « إذا نزلت بكم شديدة فاستعينوا بنا على الله عز وجل ، وهو قوله : * ( ولِلَّه الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوه بِها ) * » ، انتهى النص الشريف، وهنا كلام واضح على الأمر بالاستعانة بهم عليهم السلام لأنهم هم الأسماء الحسنى فلو كانت أسماء الله تعالى هي ذاته لكان هناك عشرات او مئات من الذوات ولو كانت مجرد كلمات وحروف وأصوات تنطق وتلفظ فلن يأمرنا المعصوم بالاستعانة بها لكن لكون الأسماء الحسنى هم آل محمد عليهم السلام لذلك أمرنا أن ندعو بها والله هو الإسم الجامع لهذه الأسماء وهو من أله يقتضي مألوها والإسم غير المسمى كما في نصوص كتاب التوحيد في الكافي الشريف ، وأيضا يطرح سؤال أن النار قالت فاعبدني فكيف تكون العبادة هذه ؟ للإجابة على هذا السؤال نجد في الزيارة الجامعة أمرا مباشرا يوضح ذلك بقوله ومن قصده توجه اليكم كما في بعض النسخ وهي الأصح فهم القبلة الحقيقية لنا وهم وجه الذي الذي اليه نتوجه وباب الله الذي منه يؤتى ولأجلهم سجدت الملائكة لآدم عليه السلام وامتنع ابليس امام وسيد المقصرة وناكحهم من السجود حسدا لآل محمد عليهم السلام ، ونجد في كتاب التوحيد للصدوق ص 152 : عن مروان بن صباح ، قال : أبو عبد الله عليه السلام : إن الله عز وجل خلقنا فأحسن خلقنا ، وصورنا فأحسن صورنا  وجعلنا عينه في عباده ، ولسانه الناطق في خلقه ، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ، و وجهه الذي يؤتي منه ، وبابه الذي يدل عليه ، وخزائنه في سمائه وأرضه بنا أثمرت الأشجار ، وأينعت الثمار وجرت الأنهار ، وبنا نزل غيث السماء ونبت عشب الأرض ، بعبادتنا عبد الله ، ولولا نحن ما عبد الله ,انتهى النص الشريف، وبالرجوع الى الآية نجد أن النار التي امرته بعبادتها امرته بعدها باقامة الصلاة عند ذكرها فكيف يكون ذلك ؟ تعالوا لننسج الخيوط معا بقراءة هذا النص الشريف من الكافي ج 2 ص 494 : عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان قال : دخلت على أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) فقال لي : ما معنى قوله : " وذكر اسم ربه فصلى  " قلت : كلما ذكر اسم ربه قام فصلى ، فقال لي : لقد كلف الله عز وجل هذا شططا  فقلت : جعلت فداك فكيف هو ؟ فقال : كلما ذكر اسم ربه صلى على محمد وآله .انتهى النص الشريف. فهل عرفتم نار موسى ؟يقول الشاعر ومن يكن ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلالا , ويقول المثل وليس وراء عبادان قرية , نسأل الله أن يوفقنا لمعرفة مقامات آل محمد عليهم السلام ونشرها وتعليمها للناس هذا وصلى الله على محمد وآل محمد ونسألكم الدعاء

خادمكم المقصر
احمد مصطفى يعقوب
الكويت في 31 مايو 2018